رُسل ما بعد النبوّة

Posted by on in Blog
  • Font size: Larger Smaller
  • Hits: 155
  • Print

لكل زمان رُسله ورسالاته. ولما كانت اللغة هي حجر الأساس للتواصل بين البشر، أرسل الله الرُسل، كُل بلسان قومه. فكان لكل أمة نبيها الذي يخاطبها بلسانها، وثقافتها، ويعلم أدق تفاصيل حضارتها وتاريخها. تعددت الأمم، وتعددت الرُسل والرسالات؛ حتى جاء الرسول الخاتم الذي أوكل إليه مخاطبة البشرية «بلسان عربي مبين»؛ تلك كانت أول مرة يتم فيها الفصل بين اللغة والرسالة، وأن يأتي رسول بدعوة عالمية ... لكن لألسنة شتى!

اختلفت الألسنة واختلفت الثقافات، وهناك رسالة واحدة من المفترض أن تضمنا جميعًا، ومع التركيز على جانب "لتعارفوا"؛ كيف ستعيش تلك الأمم الشتى تحت عباءة واحدة من المعرفة، ومن العلم، ومن القيم، والأخلاقيات؟!

تزامنًا مع كل ذلك، كانت الحاجة مُلحّة لرُسل من نوع خاص، رُسل بغير نبوة، يقودون قوارب الخير والنفع لكل البشرية، وفي شتى المجلات: الدين، والطب، والفلك، والأدب، والفنون، وحتى الثقافات. وأصبح لكل أمة رسولها من جديد؛ فالأمة العربية، على سبيل المثال، لها رُسلها ممن يجيدون لغات أخرى؛ فيبعثوا برسالاتها إلى بقية الأمم ويستقبلون منها، وكذلك الأمة الإنجليزية، والصينية، وحتى تلك الأمم النائية التي لم يكن أحد يسمع عنها من قبل، أصبح لها رُسل يرفعون راياتها عاليًا، ويمتزجون، ويتعايشون مع بقية الرُسل من كافة بقاع الأرض.

بهؤلاء الرُسل تحقق مبدأ التعارف، وتمكنت البشرية من التمازج والتجانس؛ حتى تضاءلت الفوارق بيننا، وكادت أن تختفي.

عهد الترجمة بالنهضة والتطور البشري قديم، ربما يمتد إلى ما قبل التأريخ؛ لكننا لن نتوقف عند هذا كثيرًا، حسبنا أن نتوقف عند حركة الترجمة منذ ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا، وكيف استطاعت أمة كانت في مؤخرة الأمم أن تقود العالم لعدة قرون، ويعود هذا للانفتاح على العوالم، واللغات، والثقافات الأخرى بداية من عهد الرسول وصحابته.

يُذكر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- طلب من زيد بن ثابت تعلم اللغة السريانية ليكون حلقة الوصل بين الدولة الإسلامية وبين اليهود.

لما تنامت رقعة الدولة الإسلامية، وتتابع خلفاؤها، ومع اضطراد الفتوحات الإسلامية؛ سارت عجلة الترجمة بشكل مذهل. كان من بين الخلفاء اللذين عنوا بالترجمة هارون الرشيد، الذي أسس دار الحكمة، ومن بعده وَلده المأمون؛ فتُرجمت على يديهما كُتب كبار الفلاسفة والأدباء والأطباء.

نشأ عن تلك النهضة الكبيرة في مجال الترجمة، والنقل من الثقافات، والحضارات المُختلفة تنوعًا كبيرًا، وتعايشًا بين المسلمين وغيرهم؛ كما كان في عهد الدولة الأندلسية، حيث عاش المسلمون جنبًا إلى جنب مع الإسبان. كان للدولة الأندلسية حظ وافر في تنشيط حركة الترجمة، وترجمة كثير من الكتب من العربية وإليها؛ فكانت مكتبة قرطبة تضج بآلاف المجلدات من الكتب، ومن بين أقسام المكتبة قسم خاص بالترجمة. لم يقتصر الأمر على هذا فقط؛ فبعد أن تتم عملية الترجمة، كانت تخضع لعملية التدقيق والمُراجعة في القسم المُعد لذلك؛ فتكونت حضارة عمرها ثمانمائة عام ما زلنا ننهل من خيرها حتى اليوم.

في عصرنا هذا، ومع تلك الطفرة التكنولوجية التي نعايشها؛ زادت أهمية حركة الترجمة، والمُترجمون؛ ومن هنا خصصت هيئة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" يوم الثلاثون من شهر سبتمبر من كل عام، كيوم عالمي للترجمة، عرفانًا بفضل مترجم الكتاب المُقدس، القديس" جيروم".

علينا أن ننحني إجلالاً لهؤلاء الرُسل، الذين اعتنقوا شريعة "وتعارفوا"، وحملوا على عاتقهم ربط الأمم ببعضها، وجعلوا من تراجمهم طائرات توصلنا إلى أي وجهة أرَدنا، ومن خلالها تسافر أفكارنا بعيدًا حيث ما كنا نتصور أن تصل ذات يوم.

 

Dinah S. Ali
Dinah S. Ali has not set their biography yet